HomeContact Nawaat 2.0 Hub   
 
 

  Nawaat 2.0 Hub (Beta version) - Code and design by Nawaat.org Important notice

الإسلام التنويري بين الأحادية والتعددية

بقلم الدكتور طيب تيزيني

نشرة مركز ابن رشد

تتسع الدراسات الإسلامية راهنا وتكتسب أبعادا وأمداء متعددة في سياق تعاظم الهجوم ضد الاسلام و السجال بينه و بين أطراف معظمها يتحدر من الغرب . و في هذا وذاك تفصح عن نفسها مشكلات و معضلات نظرية جديدة ، اضافة الى أخرى قديمة ؟ و هذا من طبائع الأمور . فالواقع بمثابة حالة مفتوحة، يضع أمام البشر من المهمات و الأسئلة و التساؤلات ما يجب الاجابة عنه . و في حال عدم الاستجابة لذلك ، يحدث خلل و اضطراب يتحولان الى أزمة في ظروف معينة قد تطرح أسئلة خطيرة ، بالاعتبار التاريخي و المعرفي التأسيسي او (الابيستيمولوجي). و لعل أخطر هذه الأسئلة يتحدد في مثل الصيغة التالية : من اين نبدأ في تصويب الموقف ، من الواقع أم من النص ؟ و يمكن النظر الى المرحلة المعاصرة على انها أكثر المراحل قلقا واثارة واشكالية في التاريخ الاسلامي عموما ، و الاسلامي العربي على وجه الخصوص.

فلقد رفعت العولمة معركتها مع الاسلام الى سقفها ، و ذلك في سياق المهمة الكبرى التي وضعتها على عاتقها : تفكيك الهويات التي دللت على انها مثمرة تاريخيا و بناءة (مثل العقلانية و التاريخية و القيم الدينية المستنيرة و المحفزة على التقدم البشري ) من طرف ، و احياء الهويات التي دللت على أنها معيقة للتقدم البشري (مثل الطائفية و المذهبية الدينية الضيقة و الاثنية و العشائرية و غيرها) من طرف آخر. و ثمة ملاحظتان اثنتان تعمّقان النظر الى ما نحن الآن بصدده. تقوم الملاحظة الأولى على أن العداء العولمي (الاميريكي خصوصا) من الاسلام هو – في أساسه – موقف عداء من الاسلام الثريّ النفطي ، اي الاسلام المصالحي . و هذا بدوره يضع يدنا على قاعدة منهجية هامة تظهر في الشريعة كما في القانون الوضعي و هي : العقائد تتأسس على المصالح . وفي هذا السياق ، يبرز اسم العزّ بن عبد السلام كواحد من ابرز من اسس لهذه القاعدة و نظّر لها .

اما الملاحظة الثانية فتتحدد في ان العولمة ، بلسان بعض ممثليها من امثال هنتنغتون و كلاوس ، اذ تضع الاسلام امامها كهدف استراتيجي ينبغي ترويضه ، فانها تنتقي منه ما يستجيب لمصالحها وظيفيا . وفي هذه الحال ، تقوم بعملية تلفيقية و انتقائية تنتج بمقتضاها ما يروق لها تحت اسم ” الاسلام “.فهي تبحث هنا و هناك و هنالك عن شذرات “اسلامية” يطلقها بعض الاسلاميين في كتاباتهم ، لتعلن انها وضعت يدها اخيرا على ما يسوغ مقولتها الشاملة الجامعة و التي جرى تسويقها في معظم بقاع العالم ، و هي مقولة “الارهاب”. فبمقتضى هذا الاخير ، يجري تقسيم البلاد والعباد الى فريق يمارسه ( اي الارهاب) بعد ان ينتجه ، معرضا بذلك العالم الى الاضطراب والفوضى و التحارب من طرف ، وفريق آخر يدفع ضريبته في أمنه وثروته و مستقبله من طرف ثان . والطريف الواقعي في ذلك ان تلك الشذرات “المختارة” قد تقدم ما يرغب فيه المنافحون عن العولمة و مقولتها في الارهاب من رؤية متخلفة رجعية عن العصر بقضاياه المختلفة من الاقتصاد الى السياسة فالثقافة فالمرأة الخ ..و حينذاك يجري تقديم تلك الشذرات بوصفها “الاسلام” من حيث هو و في جوهره .

ان تلك الرؤية الانتقائية و الملفقة للاسلام ، التي تقدمها الايديولوجية العولمية المؤمركة و التي تجد بعض اسسها الكبرى لدى مجموعات من المستشرقين في الغرب منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تفصح عن نفسها عبر عمليتين اثنتين كلتاهما تقود الى الاخرى .اما العملية الاولى فتقوم على انتزاع الفكر الاسلامي المتكون في اعقاب “فترة النزول” و في التجادل و التثاقف معها ، من سياقه التاريخي ، و لصالح الرؤية الانتقائية و الملفقة المذكورة و المناهضة للفحص التاريخي ، بحيث يبدو هذا الفكر و كأنه لقيط ، يتحرك دون ضوابط و نواظم تتعلق بحقه التاريخي و مرجعيته الفكرية . لكن العملية الثانية تسير باتجاه آخر ، و ان ظلت ذات علاقة بمسار العملية الاولى .اما هذا الاتجاه فهو ذو نسيج قيَمي اي يتمثل بكونه حكْم قيمة .ها هنا سيقال ما قاله مستشرقون امثال ارنست رينان ودي بور و ما صاغه الشاعر كيبلينغ في المقولة التالية : الشرق شرق والغرب غرب ، ولايلتقيان .أمّا ألاّيلتقيا، فلأن كلا منهما يمثل “بنية” بذاتها : “البنية الغربية ” بعقلانيتها واتساقها وانصياعها للقانون و القيم المجتمعية المثمرة للتقدم ، و “البنية الشرقية” بعاطفيتها وانفلاشها وخروجها على مثل تلك الضوابط.

و المهم في ذلك ان يقال كذلك، ان البنية الغربية تتأسس على الديمقراطية و احترام حقوق الانسان و الاقرار بالتعددية و بالحرية ، اي بما لاتقر به البنية الشرقية ، بما فيها الاسلام ، وليد الشرق وصانعه، بمعنى ما في هذا المَعْقِد من المسألة نكون وجها لوجه امام واحدة من اكبر الموضوعات ، التي تحولت الى نقطة سجال بين المفكرين الاسلاميين ، و بين كثير من المستشرقين والمفكرين و المثقفين العرب.

أما الموضوعة المعنية فتتمثل في “التعددية” و في موقف الاسلام منها ( والمقصود بالاسلام هنا النص الاصلي المعبّرعنه بالقرآن و السنة النبوية ). و قد جنح فريق من اولئك الى القول بان الاسلام “دين التوحيد” و هذا اقصى ما يعرف به او يُعرّف، مما يفضي الى القول بان مفهوم “الحقيقة” عنده ما هو الا تجسيد ل “توحيديته” و على هذا ، يصبح محالا ان ينظر الى تلك الحقيقة مشخّصة وفق التاريخ الانساني و شروطه و مقتضياته، لتظل متأبّية على هذا التاريخ ، و من ثم ليظهر ما يبدو حقيقيا واقعيا من حيث هو وهم زائف.

في ضوء ذلك الموقف الاطلاقي و التجريدي واللاتاريخي ، يكتب فهمي جدعان معلنا ما يلي : تنتمي “الحقيقة” اصلا الى عالم الأزل و الأبدية الذي يفارق تماما وقائع التاريخ و يعلو عليه ، و لا يخضع لقانون الصيرورة الصارم . و هي حين تتجسد في الانسان فانما تعانق الزمان و تحل فيه …و الذي يقع ضحية هذا التجسد هو الحقيقة نفسها لانها ستفقد براءتها الاولى التي جاءتها من افق المطلق ..ان ما حدث في تاريخ الاسلام لا يشذ عن هذه القاعدة . و الا فكيف نفسر تلك الانحرافات المتفاوتة في الخطورة و العمق التي تمت في عهوده وازمنته المتباعدة فضلا عن المتقاربة ؟…و يتابع الكاتب مقررا : “لقد قال معظم مفكري الاسلام المحدثين ان (المسلمين ليسو مسلمين). و الكلمة صائبة تماما و لكن الأصوب ان يقال انهم لم يكونوا و لن يكونوا مسلمين ابدا ، بمعنى انهم سيظلون دوما بعيدين عن تجسيد الاسلام – الحقيقة ، او الاسلام الوحي في التاريخ – الزمان ، لان ما يدخل في الزمان لا يلبث ان تعتريه صروفه و اقداره و لأن الحقيقة – الوحي تفارق عالم الانسان و تعلو عليه” [ [1] فهمي جدعان – اسس التقدم عند مفكري الاسلام في العالم العربي الحديث ، بيروت 1979، ص 46-50.

[2] انظر جاك بيرك – حينما كنت اعيد قراءة القرآن ، ترجمة وائل غالي ، ضمن مجلة (القاهرة ، سبتمبر/ايلول 1995، ص34).

[3] تاريخ الطبري- جزء 5، دار المعارف بمصر 1963 ص 66.

[4] جاء في الاعتصام للشاطبي (تعريف محمد رشيد رضا بجزئين،الجزء الثاني ،مصر، ص (173-174) ان النبي (ص) قال :”قبل الساعة سنون خداعا، يصدق فيهن الكاذب و يكذب فيهن الصادق ، و يخون فيهن الأمين ، و يؤتمن الخائن و ينطق فيها الرويضبة – قالوا هو الرجل التافه الحقير في امور العامة ”

[5] فخر الدين الرازي – تفسير ، الجزء الثاني ، ص 107.وفي هذا السياق ، يرى طه حسين انه “لاغرابة في ان تختلف مذاهب القوم في القرآن باختلاف الموضوعات و باختلاف المقامات ايضا ، انما الغرابة في مذهب واحد” .(طه حسين :مرآة الاسلام ،ط4، القاهرة ،ص105).و لعلنا نورد في في هذا الحقل ،ان عليا بن ابي طالب كان يأخذ على الصحابي ابن عباس انه يحاجج خصومه (اي خصوم علي من الخوارج) بالقرآن ،و يدعوه الى غير ذلك :”فخاصمهم و لا تحاججهم بالقرآن فانه ذو وجوه و لكن خاصمهم بالسنة “.(ضمن السيوطي – الاتقان في علوم القرآن ، بيروت1979،ج1، ص 51)

[6] يتضح ذلك خصوصا من “آية التأويل” التي يبرز التأويل فيها ذا طابع اشكالي بسبب الاختلاف في اعراب حرف “الواو” فيها :لايعلم تأويله الا الله ، و الراسخون في العلم يقولون آمنا ! انظر حول ذلك : طيب تيزيني : النص القرآني امام اشكالية البنية والقراءة – دمشق ، دار الينابيع 1997، ص235- 261.

[7] انظر كيفية تصيّر الشريعة معرفة مؤرقة حافزة على التقدم عموما :
8- De Boer –Geschichte der Philosophie im Islam

[8] Stuttgart 1901, s.40.انظر في ذلك : طيب تيزيني – بيان في النهضة والتنوير- دار الفارابي ، عام 2005، وكذلك مقالة Kant الشهيرة بعنوان: Was ist Aufklrung?

Post a Response

Print This Post Print This Post Close
E-mail It