HomeContact Nawaat 2.0 Hub   
 
 

  Nawaat 2.0 Hub (Beta version) - Code and design by Nawaat.org Important notice

المتنورون في تونس و الحداثة المغشوشة

باسم الله الرحمان الرحيم

بقلم محمد الفاضل

و بدلاً من أن نرى ما يمكن أن تستثمره تلك الأنتاليجنسيا المتحالفة مع نظام الأميّة من راهنية فلسفة ابن رشد في تطوير حياة التونسيين المعاصرة و تأسيس لمقدمات الحداثة، صارت المحنة الرشدية واقعاً تونسياً منذ تسعينات القرن الماضي إلى هذه اللحظة. فحين يُعاقب مختار اليحياوي قاضي قضاة البلاد التونسية لدفاعه عن استقلالية القضاء و المحاماة فقد عَاقـَبَ يعقوب المنصور قبله ابن رشد قاضي قضاة قرطبة. و حين يَُزَجُ بمحمد عبو لرأي أفصح عنه على رؤوس الملأ و تُحَاصَرُ أمنياً مؤسسات المجتمع المدني فقد قضى قبلها ابن رشد بضع سنين في العزلة منبوذاً لمقالات للعقل و الحكمة و الحق و الحقيقة أسس بها لغيرنا. لقد صارت محنة القاضي مختار اليحياوي و المحامي محمد عبو و محنة المجتمع المدني عامة بجمعياته و منظماته المناضلة اليوم عنواناً لمحنة العقلانية السياسية في تونس كما صارت محنة البروفسور منصف بن سالم و مائات من الجامعيين و الكتاب عنوانا لمحنة العقلانية العلمية فيها.

في النصف الأول من التسعينات و في ما كانت الموجة الثانية للهجمة الأمنية على الحركة الإسلامية لا تزال نشطة كانت الأنتليجنسيا قد قفزت بخطوتين إلى الأمام: بخطوة أولى نحو لحظة التغيير من حركة السابع من نوفمبر ومن ثم بخطوة ثانية نحو بعض المقاعد المتقدمة من سدة الحكم، متجاوزة كل التناقضات الإيديولوجية المفترضة و منزلقة عن كل التصنيفات الطبقية التي موقعت نفسها، فيما إدّعت لعقود، أنها أكثر خاناتها طلائعية، و قطعت فجأة مع كل الإلتزامات الأخلاقية و الحقوقية التي صنعت فيها و بها أمجادها، تجتهد في ترشيد العهد الجديد بوضع معالم طريق مواجهة الظلامية الإسلامية في تونس. و فيما كانت تضع كل أرصدتها العلمية و السياسية و الاقتصادية في مزادات السابع من نوفمبر و تنخرط في نظام السوق قبل إفتتاحه، و فيما لا تزال الدولة بحزبها و مؤسساتها و أجهزتها الأمنية، تشن حملات تمشيط، مدينة بعد مدينة بحثاً عن الكتاب الإسلامي و تـعْـقل ملايين الكتب [ [1] في أولى سنوات التسعين من القرن الماضي شنت الدولة الأمنية في تونس حملة تمشيط حقيقية على الكتاب الإسلامي في المدن التونسية، مدينة بعد مدينة وقد رافق هذا التمشيط حملة دعاية استعانت الأجهزة الأمنية فيها بكوادر التجمع الدستوري الديمقراطي و قواعدها من أبناء الشوارع و مليشياته، الشيء الذي أثار في قلوب المواطنين الفزع والرعب وحمل الإسلاميين جميعهم على إعدام كتبهم حرقاً أو غرقاً في الأودية والبحار أو طمراً تحت التراب ومَنْ شقّ عليه إعدام مكتبته الثمينة بكتبها الفريدة أقام عليها جداراً ظلت لأكثر من عشر سنوات، لا هي ترى نور الشمس ولا العقول ترى نورها، ولم يفرج عن بعضها إلا السنين الأخيرة.لكن يجب أن نشير على سبيل المقارنة للأهداف والوسائل التي تفتتح طريق العبور إلى الحداثة المغشوشة حيث في أفريل من سنة2003 أي في الأيام الأولى من الحرب على العراق، وبحسب ما يذكر تقرير الأمم المتحدة فإن 10ملايين كتاب أحرق في بغداد،ولم يكن ذلك في واقع الأمر إلا من أجل أن يتمتع العراق بقيم الديمقراطية والحداثة.

[2] نتحدث هنا عن السادة: محمد الشرفي وحمادي بن جاب الله وعلي الشنوفي وعبد السلام المسدي وعبد المجيد الشرفي وعبد الباقي الهرماسي وزهير الذوادي وعبد الحميد لرقش والصادق شعبان… وآخرون ونحن إذ نشير إليهم بالإسم فإننا نعلم أن أدوارهم في سياق جبهة التحالف مع النظام وحزبه في تلك المرحلة، مع أنها كانت معلنة من قبلهم ولم يواري أحد منهم حينها ما كان يضطلع به من مهمات في نطاق ذلك التحالف إلا أنه يمكننا القول أنه على مستوى الأداء، كانت الجهود بينهم متفاوتة.

[3] تم توزيع شريط: المصير في دور السينما التونسية كما إشتغلت الدعاية له وتثمين جهود إنتاجه وتحليل معانيه البليغة في الصحف التونسية، لكونه شريط سنمائي يروي محنة إبن رشد دون أي أدنى توثيق علمي لمادته التاريخية ومراجعة لوقائعه وهولا يعتمد إلا على قراءة انطباعية ومزاج مخرجه يوسف شاهين وعلى نص سناريست فرنسي الجنسية وقد صُور الإسلام فيه مساوياً للإرهاب وإبن رشد مساوياً للعقل المضطهد.

[4] هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي المعروف بأبي حامد، ولد بمدينة طوس من خرسان في سنة 1058م، عاش في كنف أحد المتصوفين تابع تعليمه في طوس وجرجان ونيسابور حيث تتلمذ على إمام الحرمين أبو المعالي الجويني وبعد موت الجويني تعرف الغزالي على الملك السلجوقي وزير الدولة ومؤسس المدرسة النظامية في بغداد والتحق بالبلاط خرج سنة478هـ ثم عينه النظّام أستاذاً في جامعة بغداد وداوم فيها على التدريس بين (484_488هـ)، خرج من بغداد وإستقر لفترة بالشام فألف فيها كتابه الأشهر إحياء علوم الدين..قضى القسم الأخير من حياته في العبادة والزهد إلى أن وافته المنية سنة( 505هـ).من أهم مؤلفاته الإحياء والمستصفى من علم الأصول، مقاصد الفلاسفة، تهافت الفلاسفة، معيار العلم، محك النظر، المنقذ من الضلال، إلجام العوام عن علم الكلام…. وفي علاقته بدولة المرابطين يمكن أن نضيف إلى ترجمته أنه حين أدرك الضعف ملوك الطوائف بالأندلس وعجزوا على حماية دويلاتهم أمام تهديدات جيوش ألفونس جاء قضاة تلك الدويلات، إلى يوسف ابن تاشفين أمير دولة المرابطين يستنجدونه ويشكون إليه عجز ملوكهم، فإستصدر من قاضي غرناطة وقاضي مالقة فتوى تطعن في أهلية أولائك الملوك وشرعية قيامهم على ممالكهم، كما طلب الفتوى أيضاً من أكثر فقهاء الشرق الإسلامي علماً و شهرة فأيدوه وكان من بين أكثرهم شهرة وقتها الإمام أبي حامد الغزالي.

[5] هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، شارح لمصنفات أرسطو، إشتهر في العالم اللاتيني باسم[AVERROES ]، وباسم [الشارح] أيضاً وهو عالم متبحر في العلوم الشرعية والعلوم العقلية: مثل الفيزياء، والطب والفلك كما في أصول الفقه والفلسفة.
ولد بقرطبة في1126م وتوفي بمراكش في 1198م ينتمي إلى عائلة أندلسية مجيدة.كان جده فقيهاً مالكياً وقاض وإمام بجامع الأعظم بقرطبة.كما كان أباه أيضاً قاض والتراجم تأكد في مجملها على التكوين الشرعي العميق والمتوسع الذي تأهل به إبن رشد في المراحل الأولى من تحصيله.قدمه إبن طفيل إلى الأمير الموحدي أبو يعقوب يوسف ( 1163-1184)، فكُلف بشرح مصنفات أرسطوطاليس وإجلاء ما أغمض من عباراتها. تولى القضاء في أشبيلية سنة(1169) ثم بقرطبة في(1171م)، ولما صار أبو يعقوب خليفة اتخذه لنفسه طبيباً سنة(1182) ثم تولى القضاء مجدداً في قرطبة مسقط رأسه و في منصب أبيه وجده.

[6] صنف إبن رشد كتابه تهافت التهافت ليرد فيه على النقد الذي وجهه الغزالي لأطروحات الفلاسفة الإسلاميين ابن سينا والفارابي في كتابه تهافت الفلاسفة

[7] من كلمة الافتتاح علي الشنوفي رئيس الجمعية التونسية للدراسات الفلسفية في ملتقي إبن رشد اليوم للأيام 19_20_21مارس1995عن المجلة التونسية للدراسات الفلسفية: عدد19سنة1998.

[8] خلال حكم يعقوب المنصور(1184_1199) ظل ابن رشد يحض بالتبجيل عند الأمير لكن بين سنتي(1195_1197) نال ابن رشد غضب أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي فأبعده من القصر ونفاه إلى مدينة أليسانة اليهودية بالقرب من قرطبة والواقع أن عدة روايات تتحدث عن هذه الحادثة فمنها ما يرد الأمر إلى:أن أبي يوسف يعقوب المنصور وقف من العلوم الفقهية والكلامية والفلسفية موقفاً صارماً وهو بذلك يتراجع عن الموقف الذي إتخذه والده مع ابن رشد حين دعاه إلى شرح مصنفات أرسطو.ومن تلك الروايات أيضاً القول أن الإشاعات التي صارت بين العامة والتي تشير إلى أن أبي يوسف يعقوب المنصور يشتغل بالعلوم العقلية ، فاتجه إلى اظهار محاربته للفلسفة وأصدر أمراً بإحراق كتبها الموجودة في الخزانات ،وقد كان ذلك كما ذهب أغلب المؤرخين رغبة من الخليفة في إسترضاء الفقهاء من أجل استجماع القوة اللازمة لمواجهة النصارى في الشمال، ذلك أن الفقهاء في تلك المرحلة مثلوا قوة سياسية ضاغطة على الخليفة.

[9] من أهم مصنفات إبن رشد من غير شروحات أرسطوطاليس نذكر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد وكتاب مناهج الأدلة في عقائد الملة وتهافت التهافت وفصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال.

[10] الغزالي أبو الإسلاميين وابن رشد أبو العلمانيين هكذا أصّلت في تاريخ الفلسفة الإسلامية للعلمانيين، الحملة الدعائية المرفقة بالهجمة الأمنية على الإسلاميين في منتصف عشرية التسعينات من القرن الماضي، ومنحتهم بمناسبة حملة الاستئصال تلك، جذوراً لم يكونوا قبل اليوم يدّعونها لأنفسهم، ولا تمسكوا بالانتساب إليها بعد انقضاء الحملة.

[11] في الجامعة التونسية لا يرى بعض المثقفين الصغار من مريدي النخبة المتحالفة مع نظام السابع من نوفمبر، مانعاً أن يعيد كتابة مداخلته من اللغة العربية الى اللغة الفرنسية مقابل إكراميات يغدقها المركز الثقافي الفرنسي عليه، وقد يرتفع الأجر إن تعلق الأمر بتحويرات في المضمون. هذا ويشجع كل من المركز الثقافي الفرنسي والمعهد الفرنسي للتعاون( institut français de coopération) بصورة علنية كل نشاط علمي أوثقافي يُعرض باللغة الفرنسية بصورة كلية أو جزئية.

[12] أنظر الصورة في الأعلى وهي صورة تمثال إبن رشد بقرطبة اختيرت لتكون خلفية روزنامة سنة 1995 وقد كتب في أعلاها عبارة (العرب أعقل الأمم) وهي عبارة منسوبة لإبن المقفع وردت في كتاب العقد الفريد لإبن عبد ربه _ج/1.والذين أعدوا هذه الروزنامة وصمموا خلفيتها يعتقدون أن الإشتغال على توظيف رمزية ابن رشد في وقت انغلق فيه الطوق الأمني على جميع مناشط الحياة في تونس وفي أعقاب زلزال حرب الخليج الثانية وتدمير العراق وفي سياق الهرولة العربية نحو التطبيع مع الكيان الإسرائيلي ومراتونات المفاوضات المنفردة تحت مظلة اتفاقية أسلو، قد يكون مفيداً ، فبنظر العروبيين والإسلاميين وكثير من الوطنيين من غير العروبيين والإسلاميين، يبدو أن إبن رشد كان يمكنه في تلك اللحظة أن يلعب أيضاً دوراً مضاداً للحلول الأمنية التي اختارت الأنظمة العربية أن تنهجها ضد الحركات الإسلامية كما يمكن لإبن رشد اليوم أن يلعب أيضاً برمزيته دوراً مضاداً للتغريب والتطبيع مع الكيان الإسرائيلي ومناهضة مشاريع العولمة التي دخلت فوراً بعد حرب الخليج الثانية طور التنفيذ.وقد لخصت عبارة العرب أعقل الأمم كل المعاني والقضايا التي تمثل خطاً فاصلاً بين العلمانيين الليبراليين الجدد والذين يتموقعون على جبهة العمل العربي والإسلامي.

[13] مصنفات الغزالي المنطقية هي: معيار العلم، محك النظر، ومقدمة كتاب المستصفى من علم الأصول..

[14] المستصفى من علم الأصول للإمام أبي حامد الغزالي ج/1ـ صفحة 10

[15] المختصر في المنطق: لإبن رشد

[16] لما آل حكم الدولة المرابطية بعد وفاة يوسف إبن تشفين سنة (1106) إلى إبنه، عسر عليه إحكام السيطرة على أطرافها المترامية لقلة التماسك في التنظيم الداخلي للدولة، فصار مرد الأمر فيها للفقهاء الذين تنازعهم الخلاف الفقهي والمذهبي، لكن مع انتشار كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي في الأندلس أثار لدى هؤلاء الفقهاء المعارضة فأصدر قضاة قرطبة فتوى اتهموا فيها الغزالي بالإبتداع والهرطقة فاُحرق كتابه في قرطبة على مرأى من الناس وفرضت عقوبة القتل على كل من يقرأه.

[17] كانت شروح إبن رشد لمصنفات أرسطو قد أنجزت بطلب من الخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف قبل أن يصبح خليفة على البلاد.

[18] حزب الأفاريات هو التجمع الدستوري الديمقراطي على حد التشخيص الكلينيكي للدكتور منصف المرزقي.

[19] يكتب برهان بسيس في ختام مقاله في جريدة الصباح بتاريخ27أفريل2006 ناصحاً واضعي استراتيجيات نظام ابن علي، بعد أن ألمح إلى فشل السياسات التعليمية و الإعلامية إلى أنه “علينا فعلاً التفكير“، و الواقع أن مثل هذه النصيحة حين تأتي متأخرة بنحو خمسة عشر سنة، فإنها لا تعني أكثر من أن العقل السياسي الذي أدار سياسات الدولة كان في غيبوبة بفعل شهوة السلطة و أن النخبة التي رسمت استراتيجيات الدولة و كانت وراء النتائج الشنيعة التي أفرزها المجتمع التونسي في السنوات الأخيرة على مستوى أنماط الفكر و السلوك لجيل تربى على نهجها ليست إلا نخبة ظلامية الفكر إنتهازية الأخلاق و أن العقل عند تلك النخبة لم يبلغ بَعدُ لحظة التفكير و لا التفكير عندهم بلغ لحظة الفعل..!!.و برهان بسيس الذي إعتادت السلطة أن تدفع به للواجهة الإعلامية ليحيك حجة يداري بها سوءة النظام كلما عجز النظام على الدفاع عن نفسه إنما يمنحنا بهذه الإشارة البليغة من لدنه الحجة البالغة إلى أن لحظة موت النظام وشيكة لأن وحده الذي يفكر، موجود(أنا أفكر إذن أنا موجود) و طالما أن عزائم النظام على التفكير فعلاً قد خارت فلاريب أن ساعته قد حضرت، و أقلها إحتضاره بالمعنى السياسي.

Post a Response