HomeContactNawaat ToolbarLivresNawaat 2.0 Hub   
 
 

  Nawaat 2.0 Hub (Beta version) - Code and design by Nawaat.org Important notice

About Slim Boukhdir

Slim Boukhdir

Slim Boukhdir, 39 ans, est le correspondant du journal panarabe basé à Londres "Al Quds Al Arabi" et du site Internet de la chaîne de télévision satellitaire Al-Arabiya. Par ailleurs, il publie des articles sur plusieurs sites Internet et notamment Tunisnews et Kantara. Injustement condamné le 4 décembre 2007 à un an de prison pour “outrage à fonctionnaire dans l’exercice de ses fonctions”, “atteinte aux bonnes mœurs” et “refus de présenter ses papiers d’identité” par le tribunal cantonal de Sakiet Ezzit dans la banlieue de Sfax (231 km au sud de Tunis). Le journaliste est détenu depuis son interpellation le 26 novembre 2007.

See All Posts by This Author

تاريخ الإسلام السياسي في تونس المُعاصرة : هل بدأ موسم الهجرة إلى . . إستعمال العنف ؟

بقلم : سليم بوخذير*

إذا صدقت الروايات في تونس - و التي مازالت تُحظى بتشكيك البعض- حول موضوع الإشتباكات المسلّحة التي عاشتها الضواحي الجنوبية للعاصمة التونسية بين قوات الأمن و مسلحين خلال الأسبوع الأخير من العام المنقضي ، من أنّ الذين واجهتهم قوات الأمن كانوا “سلفيين جهاديين” تونسيّين ، و ليسوا عصابة مخدّرات و تهريب سلاح كما جاء في الرواية الأولى التي كانت أعلنتها المصادر الرسمية التونسية للصحف شبه الحكومية . فإنّ ذلك يُعدّ إنباء خطيرا بظهور شكل جديد تماما عن الحياة السياسية في البلد من أشكال الإسلام السياسي ، هو إسلام سياسي يُمارس العنف .. و هو أمر لم تألفه من قبل الظاهرة الإسلامية في تونس بتاتا سواء مع أهمّ حركات الإسلام السياسي في تونس (”النهضة”) أو مع غيرها من الحركات ، كما لم يألفه المجتمع التونسي ككلّ في أيّ مرحلة من تاريخه المُعاصر، ممّا يُؤشّر بجديّة على تطوّر لافت بل و مُفزع للبعض من دارسي تاريخ ظاهرة الإسلام السياسي في تونس .
لنُوضّح أوّلا أنّ بعض دُعاة الإعتدال و الوسطيّة من رافعي الخطاب الديني في تونس و من غيرهم ، مازالوا يرفعون تشكيكات في أمر الروايات المُعلنة عن تورّط تيار سلفي في تونس في الأحداث المسلّحة الأخيرة ، ذلك أن الحكومة لم تستجب لمطلب عديد الهيآت المدنية التونسية بعقد مؤتمر صحفي لوزير الداخلية يُقدّم فيه مجمل تفاصيل ما جرى و الأهم يُقدّم مُجمل الإثباتات على أنّ المعتقلين كانوا فعلا “سلفيين جهاديين” و من تونس ، كما لم تُُقدّم الحكومة أي تبرير لعدم قبولها بهذا المطلب، رغم إعلان وزير الداخلية بشكل مقتضب في ندوة للحزب الحاكم أن المسلحين كانوا سلفيين . . و هذا الأمر (أي عدم تقديم إثباتات و تفاصيل ما جرى) وجده البعض مُبرّرا لعدم مبادرة عديد الاطياف السياسية إمّا المحسوبة على التيار الإسلامي في البلد أو حتّى من غير التيار الإسلامي ، بإدانة ما جرى لعدم ثبوت ما جرى أصلا من وجهة نظرها .

لكنّ رغم هذه التشكيكات ، فإنّ تظافر الروايات من عديد الجهات المشهورة بالإستقلالية عن أنّ الذين رفعوا السلاح في آخر أسبوع من العام المنقضي ، كانوا فعلا ممّا يُعرف بالتيار السلفي الجهادي ، يجعلنا نقف أمام حقيقة جديدة لم يتوقّعها المُحلّلون من قبل ، و نعني حقيقة إفراز المجتمع التونسي أخيرا و لأوّل مرّة في تاريخه ، لإسلام سياسي جديد يُؤمن بمُمارسة العنف كشكل للتعامل مع الحكومة ، و هو أمر يستحقّ الكثير من الإهتمام و الدراسة و قد يُؤشّر إلى منعطف أكثر خطورة قد يعرفه مستقبل الحياة السياسية في تونس و الحياة العامّة ككلّ إذا لم توجد الحلول المُثلى لهذه الظاهرة الجديدة التي من الواضح أنّها تأتي لا لتختلف مع الحكومة لوحدها و إنّما مع كلّ أطياف الساحة السياسية في البلد المعروفة -دون إستثناء- برفضها للعنف .

لقد عرفت تونس الإسلام السياسي في تاريخها المعاصر لأوّل مرّة في أواخر السبعينات من القرن الماضي بعد إستقلالها عن الإستعمار الفرنسي في عام 1956 ، عند بداية تشكّل أوّل حركة سياسية تونسية تتّخذ من الدين إيديولوجيا لها في فترة كانت الإيديولوجيات العلمانية هي المُسيطرة على الأجيال الطلابية و العلمية في تلك السنوات بالبلاد ، أي أن عُمر الإسلام السياسي في تونس قد فاق الآن ثلاثين عام . . و مع ذلك لم تظهرضمن سياقاته أي مُحاولات منه لممارسة العنف سابقا على مدى العُقود الثلاث الماضية.

كانت الحركة الإسلامية التي بدأت في التشكّل في تلك الأعوام و في التعبئة في المساجد و كذلك في فضاءات أخرى كالجامعة و كواليس المؤسسات العمومية ، مجهولة الإسم وقتها و سرية و لكن مع عام 1981 إنتهت إلى العلنية و أعلنت بيانها الأول الرسمي مُطلقة على نفسها إسم حركة “الإتجاه الإسلامي” و قد تحوّلت في أواخر الثمانينات من القرن إلى حمل إسم جديد هو حركة “النهضة” . . و بالتوازي مع هذه الحركة التي نجحت في إستقطاب أعداد هائلة من المواطنين في سنوات الثمانينات ظهرت حركات إسلامية أخرى ظلّت ذات أقلّية ، منها ما عُرف في الثمانينات ب “حزب التحرير” .

و قد أولد ظهور حركة “الإتجاه الإسلامي” وقتها وضعا جديدا في تاريخ التديّن في تونس المُعاصرة ، إذ لأوّل مرّة يُصبح لنا كُتلتان من المتديّنين : كتلة المتديّنين العاديين التقليديّين الذين يُمارسون شعائرهم الدينية بإنتظام لكنّهم لا يمارسون السياسة و لا يضعون علاقة بين الدين و السياسة كما أنّهم لا يُخالفون التشريعات ذات المرجعيّة العلمانية التي أدخلها الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة لاسيما فيما يخصّ مُدوّنة الأحوال الشخصية التونسية ، و الكتلة الثانية (الجديدة وقتها) و هي كُتلة المُتديّنين الذين يضعون إرتبطا وثيقا بين الدين و السياسة ( المُنتمين إلى “النهضة” أو غيرها) و يتبنّون المُطالبة بأن تكون مرجعيّة التشريعات في البلد هي الدين أساسا و ليس شيئا آخر .

و رغم مُواجهة السلطة لهذه الكتلة من المتدينين بإخضاع حركة “الإتّجاه الإسلامي” (”النهضة” بعد ذلك) إلى محاكمات وُصفت ب”القاسية” ، في مناسبتين في الثمانينات (سنتي 1983 و 1985) ، إلاّ أنّ ذلك لم يدفع هذه الحركة ذات العدد الكبير وقتها إلى التفكير في إستعمال العنف كحلّ للتعامل مع السلطة .
و حتّى عندما جرت أوسع عملية إعتقالات و محاكمات لهذه الحركة في عاميْ 1990 و 1991 ، لم تطرح هذه الحركة العنف كردّ على ما جرى .

فإذن العنف ظلّ غريبا تماما على ظاهرة الإسلام السياسي في تونس ، رغم كلّ المُغريات التي كان يمكن أن تؤدّي بها إليه في أوائل التسعينات مثلا ، من ذلك إمتلاكه للقوّة العدديّة وقتئذ و لجوء حركات إسلامية في بلدان مُجاورة و لها إرتباطات تاريخية مع الحركات التونسية إلى العنف و نعني خاصة الحركة الإسلامية في الجزائر . .
و يمكن القول إنّ العشرية التي أتت بعد تلك المحاكمات و التي عصفت تماما بالقوّة العدديّة للإسلام السياسي في تونس ، قد أولدت غلبة من حيث العدد للكتلة التقليدية من المتدينين في البلد و نعني المتدينين غير المُسيّسين إذا ما إعتبرنا حجم الأعداد الكبيرة من المتدينين المُسيسين الذين لحقتهم المحاكمات ، لكن مع ذلك ظلّت الكتلة الثانية موجودة و مُحافظة على ذات ملامحها المُعادية للعنف .

و بدخول البلاد السنوات الأولى من القرن الجديد ، بدأ المجتمع التونسي في إفراز كُتلة جديدة ذات أقلية عدديّة بالغة ، و نعني بداية الحديث عن “مُتشيّعين” في تونس و هؤلاء أيضا يُعتبرون بدورهم شكلا من أشكال الإسلام السياسي بإعتبارهم في أدبياتهم يضعون بكلّ وضوح إرتباطا بين الدين و السياسة و لكنّ بأشكال مُخالفة لأشكل حركة “النهضة” ذات المرجعية السُنّية .

هذه الكتلة الجديدة من المُتدينين (الشيعة) فاجأت في الحقيقة عديد المُلاحظين الذين لم يتوقّعوا يوما أن يُصبح هناك متشيّعون في تونس ذات التقاليد السنيّة الضاربة في القدم ، لكن الذي فاجأ المُلاحظين أكثر ، هو أن السلطات في تونس لم تلجأ إلى الإصطدام مع هذا الشكل الجديد من الإسلام السياسي في البلد – و هو أمر يحدث لأوّل مرّة في علاقتها بالإسلام السياسي - ، بل على العكس هي سمحت به و أشّرت على رغبة دُعاته في مزيد التعبئة و قد سمحت الحكومة في تونس في السنوات الثلاث الأخيرة بجمعية لهؤلاء الدُّعاة من المُتشيّعين هي جمعية “آل البيت” ، و هو ما جعل بعض التأويلات تسير بإتجاه ربط هذ السماح بالتشيّع بالتقارب التونسي الإيراني المتواصل خلال السنتين الأخيرتين .

و لكن و مثلما فاجأ ظهورهذا الشكل الجديد من الإسلام السياسي في تونس كبار المُحلّلين ، فاجأهم أيضا ظهور شكل آخر كُشفت الأدلّة على وجوده في البلد خلال الأحداث المُسلّحة الأخيرة ، و نعني تيّار “السلفيين الجهاديين” ، و الذي يتميّز عن أي شكل سابق من أشكال الإسلام السياسي في تونس ، بإيمانه بالعنف كشكل للعلاقة مع الحُكم . .
إنّه الصنف الجديد في تونس من الإسلام السياسي و لا شكّ أن الحلّ الأسلم للتعامل معه هو الإهتداء إلى أسباب ظهوره و العوامل التي ساعدته على الإنتشار و مسؤولية السلطات التونسية بفرضها لحالة مطلقة من الإنسداد السياسي في البلد و خنق كلّ الحريات عن بروز نماذج جديدة من الشباب تؤمن بخيار العنف ، و الإستناد إلى الخبراء السوسيولوجيين و النفسيين لدراسة الحلول العلمية العاجلة لحماية الشباب من أخطار تبنّي طروحات العنف كشكل خطير و مرفوض من أشكال التعبير عن الإختلاف و لِم لا إعطاء الأحقّية في الوجود للإسلام السياسي المألوف في تونس الذي يرفض العنف لسدّ المنافذ أمام دُعاته .

فعند إعطاء هذا التطوّر الجديد الذي طرأ على ظاهرة الإسلام السياسي ما يستحق من الدراسة و المُعالجة ، يُمكننا أن نُجيب على السؤال الكبير : ما الذي جعل خطر إستعمال العنف يتسرّب فجأة إلى ظاهرة الإسلام السياسي في تونس ؟ و هل بدأنا فعلا إزاء موسم هجرة الجيل الجديد من الإسلام السياسي إلى . . عالم العنف؟

• كاتب و صحفي تونسي

المصدر: صحيفة الوطن

Post a Response

Print This Post Print This Post Close
E-mail It